الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
51
نفحات الولاية
الشِّقَاقِ والْعِصْيَانِ فَانْهَدْ « 1 » بِمَنْ أَطَاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ وَاسْتَغْنِ بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ « 2 » عَنْكَ ) . والتعبير ب « ظِلِّ الطَّاعَةِ » تعبير لطيف ويشير إلى أنّ العصيان والتمرّد ومخالفة أوامر الحاكم الإسلاميّ حالها حال الشمس المحرقة ، بينما الطاعة والسكينة وامتثال أوامر القادة العدول بمثابة الظلّ الوارف الذي يعمّ خيره المجتمع الإسلاميّ . والفرق بين الشقاق والعصيان ، أنّ الشقاق بمعنى الفرقة والانفصال ، وأمّا العصيان والتمرّد فشئ أعلى وأشدّ من مجرّد الافتراق عن جماعة المسلمين . ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يشير في ختام هذه الرسالة إلى الدليل على أمره هذا ويقول : « فَإِنَّ الْمُتَكَارِهَ « 3 » مَغِيبُهُ « 4 » خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِهِ ، وَقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ » . وهذا هو ما ذكر القرآن الكريم عن بعض المنافقين في سورة التوبة وقال : « لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ » « 5 » . فالعناصر الضعيفة التي تخاف من النزول إلى ساحة القتال وتكره مواجهة الأعداء لا تزيد الجيش الإسلاميّ إلّاضعفاً ، وبالتالي فإنّ غيابهم وعدم حضورهم أفضل من مشاركتهم في المواجهة الحاسمة . تأمّلان 1 . جرائم الناكثين في معركة الجمل يستفاد من تاريخ الطبري وبعض الكتب الأخرى وكذلك في خطبة 172 التي
--> ( 1 ) . « انهد » صيغة أمر من « النهود » بمعنى الظهور والارتفاع والقيام بأداء عمل معين . ( 2 ) . « تقاعس » من مادة « قعس » على وزن « فحص » وبمعنى التماهل والتواكل وإلقاء المسؤولية على الآخرين والتراجع عن القيام بالوظيفة والتكليف أو الحرب . ( 3 ) . « المتكاره » تعني الشخص الذي يكره القيام بعمل معين ويعيش حالة السخط وعدم الرضا منه ، وهي من مادة « كره » . ( 4 ) . « مغيبة » : « مغيب » و « مشهد » مصدر ميمي بمعنى الغيبة والحضور . ( 5 ) . سورة التوبة ، الآية 47 .